أستاذ مشارك في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا

Email: nikman@iium.edu.my
الحكايات الشعبية الملايوية البروناوية بين التسلية والتربية (للقارئ العربي)

الأدب الشعبي له أشكال منها ما هو شعر وما هو نثر. والنثر في شكل الحكايات، والحكايات الشعبية مثال من الأدب الشعبي النثري. يعرّف الدكتور محمد حسن عبد الله الحكاية في كتابه فنون الأدب: "هي الصورة البدائية الأولى للفن القصصي، حكاها الإنسان منذ أقدم العصور للوعظ والتعليم والتسلية، ووضع في سياقها الأمثال والحكم، كما بث فيها عناصر التشويق من مفاجئات وغرائب ومعجزات".

يشمل هذا الفن القصصي الملاحم الشعبية التي تحكى صور البطولة، إلى جانب ملاحم الحيوان، والحكايات الوعظية والتعليمية والاجتماعية، ومغامرات الشطار ونوادر الظرفاء والبخلاء والحمقى، كنوادر جحا وغيره، إلى جانب الطرائف التي يحفظها عامة الناس.

قد تكون الحكايات الشعبية حقيقية أو خيالية أو خرافية لأنها مزيج من الجانب التاريخي والأساطير والخرافات التي تنتقل شفويا من جيل إلى جيل عبر القرون، ثم دونت في كتب الحكايات وتتسم بأغراض التعليم والتسلية. وهي عمل إنساني عام شعبي غير فردي.

تتفرع الحكايات الشعبية البروناوية إلى أربعة أنواع مشهورة منها: (1) قصص الأصول (cerita asal ususl)، (2) قصص النوادر (cerita jenaka) ، (3) قصص التسلية(cerita penglipur lara / diangdangan)، (4) قصص الحيوانات  (cerita binatang).

(1) من أهم قصص الأصول البروناوية: Asal Usul Sungai Si Manis, Nakhoda Manis, Asal Usul Bukit Marikan, Si Perawai, Bukit Tagiuk, Burung Pingai, Labi, Padi, Pangkalan Si Babau, Puak Dusun, Sang Katak.

(2) وأما قصص النوادر فهي حكايات حول الحمقى والأذكياء أحيانا لغرض التسلية ونقد المجتمع والتعليم، ومن هذه القصص: Pak saloi, Wang Pandir, Abu Nawas Jadi Raja, Isteri Si Paluian Mengidam Pelanduk, Menumbuk Padi Di Atas Pokok Mengaris, Nujum Si Kasihan, Si Paluian Dengan Buah Nangka, Si paluian Dengan Buah Sikui, Si Paluian Dengan Gula Anau, Si Paluian Dengan Tekuyung, Si Paluian Mengambil Keladi.

(3) وتأتي قصص التسلية لغرض الترويح عن القلوب الحزينة، هي تدور حول الخوارق وما فوق الطبيعة والمغامرات، إما في الأرض أو في السماء أو في البحر. أما موضوعها فعن مغامرات البطل أو الأمير والعشق ثم لقاؤه بالأميرة ثم الزواج، والحرب والختام بالحياة السعيدة.Wang Kamaruddin, Wang Si Kanak, Awang Si Linong, Bujang Maliwala, Bujang Si Gandam, Dang Rokam, Puteri Ketujuh, Raja Penambang Laut, Si Gandam Baras, Si Gandawari, Tuan Pemagat, Wang Raden Jaya.

(4) ومن النوع الرابع للحكايات الشعبية البروناوية حكايات في صور الحيوانات. ومن الحيوانات التي تأخذ أدوار البطولة النمر، والفيل، والبقر، والكانشيل الذكي، والأرنب، والبومة، والتمساح، والديك، والسلحفاة، والطاووس، والقرد. يقصد من استعمال الشخصيات الحيوانية إبراز جانب استعمال العقل والحيلة والذكاء الخاص. على هذا الأساس تكون الحكايات على ألسنة الحيوانات من أرقى الحكايات، لما تمتاز به من أغراض تعليمية وأخلاقية. ومن هذه الحكايات:Buaya Puteh, Raja Ikan, Titisan Ayer Mata Duyung, Sang Kancil Dengan Gergasi, Cerita Ayam Jantan Dengan Burung Pungguk, Empat Puluh Ekor Kucing Dengan Orang Tua, Haruan Dengan Tupai.

 

وإليكم أقدم نصا قصصيا ترجمتُه من الملايوية لإحدى الحكايات البروناوية المشهورة.

 

حكاية "ناخودا مانيس" (ربّان السفية مانيس)

كان في التاريخ القديم تاجر شديد الغنى اسمه "ناخودا مانيس" عنده مال كثير في البر والبحر، ورثه من أبيه. وكان يعيش مع أمه "دانغ أمبون" في دائرة "كامبونج أير"، فهي تمنحه كل حبها وحنانها كزقّ الحمامة فرخها لأنه وحيد أمه. وذات يوم استأذن "ناخودا مانيس" من والدته أن يسافر إلى "سولوك"، لما اشتهرت هذه البلدة بالمعاملات التجارية، وكانت أمه لا تسمح بالسفر بنفسه لخوفها من الأخطار والمصاعب هناك. ولكنه ألحّ بالطلب حتى أذنت له أخيرا بالمغادرة. ترك الفتى أمه وبدأ رحلته ولم يبعث بخبر إلى أمه مع مرور مدة طويلة، فشغلت أمه بالحزن والقلق. وتدعو الله سبحانه وتعالى لابنها كل يوم أن يرزقه السلامة والعافية في الغربة. وقد أنفقت "دانغ أمبون" جميع أموالها في الصدقات للمحتاجين، حتى تحولت حياتها المترفة إلى حد الفقر.

وذات يوم سمعت الأم خبرا برسوّ سفينة في ميناء مصب نهر بروناي، وعندئذ تأكدت بوصول ابنها. كم فرحت الأم بسماع هذا الخبر، فأخذت قاربا قديما ومجدافا معيبا مسرعة إلى السفينة ونادت ابنها من بعيد: يا ولدي! أنا أمك، أنا أمك. رآها أحد الملاحين في السفينة فأخبر الربان "ناخودا مانيس" بالأمر قائلا: يا سيدي، امرأة عجوز بثياب بالية ممزقة تريد أن تقابلك وهي قادمة  بقارب قديم ومجداف معيب وتقول إنها أمك. فخجل "ناخودا مانيس" بما سمع، ومعه زوجته الجميلة الغنية التي تزوجها في سولوك، فقال: أنا لست ابنها، لأن أمي ثرية وجميلة. فأبلغ إليها الملاح بما قال سيده، وكررت الأم نداءها، فازداد خجله من زوجته والملاحين، ثم أمر أحدَ الملاحين بدفع قاربها بالقصبة الطويلة ليبتعد القارب عن سفيننته. فبذلك احترق قلبها وحزنت فصرخت: أنت ولد عاقّ، لن أرضى عنك ولو بقطرة من اللبن الذي جرعتَه مني، الله يلعنك يا ولد. ثم انصرفت بقاربها بعيدا.

فإذا بالسماء تحولت إلى الظلام الدامس، وهبّت العاصفة بشدة، وتموّج نهر بروناي غيظة، ونزل ب "ناخودا مانيس" الرعبُ والخوفُ، فينادي أمه مترجيا، ولكنها لم تلتفت إليه. واستمر هياج العاصفة والأمواج حتى غرقت السفينة. ولما سكنت العاصفة وهدأت الأمواج استحجرت السفينة مع كل ما فيها ومن فيها.

         

 

د. عبدالرحمن شيك

أستاذ مشارك بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز